عبد الكريم الخطيب
892
التفسير القرآنى للقرآن
وأوضاعهم في هذه الحياة . . فيرى قمما عالية ، بينما يرى سفوحا ، ومنحدرات ، بل وحفرا . . ولكنه إذا نظر إلى الحياة عامة شاملة ، لم ير إلا وحدة منتظمة ، وإلّا سطحا مستويا ، لا نجود فيه ، ولا منحدرات . . كالذي ينظر من طائرة محلّقة في آفاق السماء ، إلى مدينة واسعة الأرجاء . . إنه يرى دورها وقصورها ، وأكواخها ، ونواطح سحبها - في مستوى واحد . . كسطح أملس ، لا فرق بين الأكواخ والقصور . . يقول الفيلسوف الأمريكى « بوردن باركرباون » : « إن أفراد الناس يؤثّر بعضهم في بعض ، وقد يعارض بعضهم بعضا . . لكن هذا التضادّ بينهم ، وهذا الانفصال والتجزؤ ، يذوب كله في عنصر واحد يحويهم جميعا . . وما قد يبدو في عالم الجزئيات تضادّا ، إن هو في حقيقة الأمر إلا اتساق ، لو نظر إليه من أعلى نظرة ترى تفصيلات الوجود كلها واحدة في كلّ واحد » . فهذا الفهم للحياة ، لا ينكر وجود الشرّ وذاتيته في واقع الحياة الإنسانية ، ولكنه حين يرتفع بالنظر عن الحياة الإنسانية الفردية ، وعن مستوى هذه الأرض ، لا يرى إلا عالما مشرقا ، يفيض بالحسن والجمال . إن حواسّنا ، ومشاعرنا ، ومداركنا ، مضبوطة على مستوى هذا الوجود الأرضي الذي نعيش فيه . . وهذا التناقض ، والتضادّ ، والتعاند ، الذي نراه - هو مما يقتضيه وجودنا ، وتولده حاجاتنا ، وتحققه مدركاتنا وحواسنا . ويقول الجاحظ : « وأظنك ممن يرى الطاوس ، أكرم على اللّه من الغراب ، وأن الغزال أحبّ إلى اللّه من الذئب . . فإنما هذه أمور فرّقها اللّه اللّه تعالى في عيون الناس ، وميّزها في طبائع العباد ، فجعل بعضها أقرب بهم